الطبراني

255

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

النّصارى كانوا إذا ولد لهم ولد وأتى عليه سبعة أيّام صبغوه ؛ أي غمسوه في ماء لهم يقال له : المعمودي ليطهّروه بذلك ، وقالوا : هذا طهوره ومكان الختان « 1 » . فقيل لهم : ( صِبْغَةَ اللَّهِ ) أي التطهر الذي أمر اللّه به أبلغ في النظافة . وأول من اختتن إبراهيم عليه السّلام بالقدّوم ؛ وهي موضع ممرّه بالشام ؛ وكان يومئذ ابن مائة وعشرين سنة ، ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة . ونصب ( صِبْغَةَ اللَّهِ ) على الإغراء ؛ أي الزموا صبغة اللّه ، أو اتّبعوا . وقال الأخفش : ( هو بدل من قوله تعالى : بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ . وقال ابن كيسان : صِبْغَةَ اللَّهِ أي وجهة اللّه ؛ بمعنى القبلة ) . وقال الزجّاج : ( معناه : خلقة اللّه ، من صبغت الثّوب إذا غيّرت لونه وخلقته ، فيكون المعنى أنّ اللّه تعالى ابتدأ الخلقة على الإسلام ) « 2 » دليله قول مقاتل في هذه الآية : فِطْرَتَ اللَّهِ « 3 » أي دين اللّه . ويوضّحه قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : [ كلّ مولود يولد على الفطرة ، إلّا أنّ أبواه يهوّدانه ويمجّسانه وينصّرانه ، كما تنتجون البهيمة ، فهل تجدون من جدعاء حتّى تكونوا أنتم تجدعونها ؟ ] قالوا : يا رسول اللّه أرأيت من يموت وهو صغير ؟ قال : [ اللّه أعلم بما كانوا عاملين ] « 4 » . وقال أبو عبيدة : ( معناه : سنّة اللّه ) . قوله تعالى : وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ ( 138 ) ؛ أي مطيعون . وقوله تعالى : قُلْ أَ تُحَاجُّونَنا ، وذلك أنّ اليهود كانوا يقولون : نحن أهل الكتاب الأوّل والعلم القديم . وكانوا يقولون هم والنصارى : نحن أبناء اللّه وأحبّاؤه . فأمر اللّه تعالى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بهذه الآية أن ( قُلْ ) لهم يا محمّد : ( أَ تُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ ) ؛ أي أتجادلوننا وتخاصموننا . وقرأ الأعمش والحسن : ( أتحاجّونّا ) بنون واحدة مشدّدة . وقوله تعالى : ( فِي اللَّهِ ) أي في دين اللّه . وذلك أنّهم قالوا : إنّ الأنبياء كانوا منّا وعلى ديننا ولم يكونوا من العرب ؛ فلو كنت نبيّا لكنت منّا على ديننا .

--> ( 1 ) جامع البيان : ج 1 ص 292 . ( 2 ) قاله في معاني القرآن وإعرابه : ج 1 ص 189 . ( 3 ) الروم / 30 . ( 4 ) رواه البخاري في الصحيح : كتاب القدر : الحديث ( 6599 و 6600 ) . ومسلم في الصحيح : كتاب القدر : باب معنى كل مولود : الحديث ( 24 / 2658 ) .